اسم الكتاب كاملا: نتائج وتوقعات
كتبه: ليون
تروتسكي سنة 1905.
نشر أول مرة: سنة 1906 في سانت بيترسبورغ St.
Petersburg بعيد قيام ثورة العمال الأولى 1905 في روسيا
التحويل الرقمي: جريدة المناضل-ة (مارس
2005)
التحرير الرقمي: علي بطحة
لا تستطيع البروليتاريا أن تستولي على الحكم إلا باعتمادها على انتفاضة شعبية عارمة وعلى الحماس الوطني. وسوف تشترك البروليتاريا في الحكم بوصفها الممثل الثوري للأمة، وبوصفها القائد الوطني المعترف به في النضال ضد الحكم المطلق والبربرية الإقطاعية. وباستلامها الحكم، يبدأ عهد جديد، عهد التشريع الثوري والسياسة الإيجابية، ولكنها بهذا الصدد لن تستطيع المحافظة على كونها المعبر الشرعي عن إرادة الأمة. وسيكون أول إجراء تتخذه هو تنظيف إسطبلات العهد البائد وطرد سكانها، ذلك الإجراء الذي يحظى بتأييد الأمة بأسرها بالرغم مما يزعمه التنابل الليبراليون عن رسوخ بعض الحساسيات في أوساط جماهير الشعب.
وتواكب عملية التنظيف السياسي هذه إعادة تنظيم العلاقات في الدولة والمجتمع على أسس ديمقراطية. وسوف تضطر الحكومة العمالية، تحت تأثير الضغوط والمطالب المباشرة، إلى التدخل الحاسم في جميع العلاقات والأحداث…
فتكون أول مهمة تقوم بها هي أن تطرد من الجيش ومن الإدارة جميع الذين تلطخت أيديهم بدم الشعب، وأن تسرح تلك الوحدات العسكرية التي تلوثت أكثر من غيرها بالجرائم ضده. ويجب أن يتم ذلك في الأيام الأولى من الثورة، قبل أن يتسنى إدخال نظام انتخاب الرسميين وجعلهم مسؤولين تجاه ناخبيهم وتنظيم المليشيا الوطنية. على أن القضية لا تنتهي عند هذا الحد. إن الديمقراطية العمالية تواجه رأسا بقضايا يومية ملحة كالقضية الزراعية وقضية البطالة.
ثمة شيء واحد أكيد: إن كل يوم يمرّ سوف يعمق سياسة البروليتاريا الحاكمة ويزيد في وضوح طبيعة هذا الحكم الطبقية. وإلى جانب ذلك، سوف تنفصم الوشائج الثورية التي كانت تشد البروليتاريا إلى الأمة، فيتخذ تحلل الفلاحين الطبقي شكلا سياسيا، ويتفاقم التناقض بين الأطراف المشتركة في الحكم كلما اتضحت سياسة ديمقراطية العمال فتتخلى عن كونها سياسة ديمقراطية عامة لتصبح سياسة طبقية.
ومع أن غياب التقاليد البرجوازية- الفردية المتراكمة، والحساسيات المعادية للبروليتاريا عند الفلاحين والمثقفين سوف تساعدان البروليتاريا على استلام الحكم من الضروري ألا يغيب عن الأذهان أن غياب هذه الحساسيات ليس مرده وجود وعي سياسي ناضج بل على العكس وجود نوع من الهمجية السياسية والهلامية الاجتماعية وفقدان الشخصية المميزة. إن أيا من هذه الصفات لا يمكن أن يكون أساسا متينا لسياسة بروليتارية نشيطة ومتناسقة.
إن إلغاء الإقطاع سيحظى بتأييد الفلاحين كلهم، لكونهم طبقة مضطهدة. وسوف تؤيد غالبية الفلاحين ضريبة الدخل التصاعدية. ولكن تنفيذ أي قانون يحمي البروليتاريا الزراعية سيلاقي تأييد أغلبية الفلاحين من جهة، ويلاقي معارضة من بعضهم من جهة أخرى.
وسوف تجد البروليتاريا نفسها مجبرة على نقل الصراع الطبقي إلى القرى، فتقضي بذلك على وحدة المصالح الموجودة دون شك بين جميع الفلاحين، بالرغم من كون وحدة المصالح هذه محصورة ضمن نطاق ضيق نسبيا. منذ اللحظة الأولى لاستلامها الحكم، يتوجب كل البروليتاريا أن تعتمد على التناقضات بين فقراء القرية وأغنيائها، وبين البروليتاريا الزراعية والبرجوازية الريفية. فبينما يخلق عدم التجانس بين الفلاحين المصاعب أمام البروليتاريا ويقلص قاعدتها السياسية، فإن عدم وجود التمايز الطبقي الواضح سيكون عقبة أمام إدخال الصراع الطبقي المتبلور في أوساط الفلاحين الذي يمكن للبروليتاريا أن تعتمد عليه. إن بدائية الفلاحين تدير للبروليتاريا وجهها العدائي.
إن انحسار المد في أوساط الفلاحين، واستكانتهم السياسية وتفاقم المعارضة في أوساط القطاعات العليا منهم لا يمكن إلا أن يؤثر على القطاع من المثقفين وعلى البرجوازية الصغيرة في المدن.
وهكذا، فكلما وضحت سياسة البروليتاريا وازدادت تصلبا، ضاقت الأرض من تحت أقدامها وتزعزعت. إن هذا جد محتمل وهو حتى حتمي الحدوث…
إن السمتين الأساسيتين لسياسة البروليتاريا اللتين سوف تلقيان أشد المعارضة بين أوساط حلفاء البروليتاريا هما التجميع والنزعة الأممية.
وإن بدائية الفلاحين وطبيعتهم البرجوازية الصغيرة، ونظرتهم الريفية الضيقة، وانعزالهم عن الارتباط والولاء السياسيين بالعالم الخارجي سوف تخلق المصاعب في وجه تدعيم السياسة الثورية التي تنتهجها البروليتاريا الحاكمة.
إن القول أن مهمة الديمقراطيين-الاجتماعيين تتلخص في دخول الحكومة الائتلافية وقيادتها خلال مرحلة الإصلاحات الثورية الديمقراطية، والنضال من أجل إعطائها طابعا جذريا بالاعتماد على البروليتاريا المنظمة، وبعد أن يتم تنفيذ البرنامج الديمقراطي تتخلى الحركة الديمقراطية-الاجتماعية عن الصرح الذي شيدته وتخلي الطريق للأحزاب البرجوازية وتنتقل هي إلى صفوف المعارضة مفتتحة بذلك حقبة السياسة البرلمانية؛ إن قولاً كهذا يهدد بنسف فكرة الحكومة العمالية من أساسها. ليس لأن هذا القول غير مسموح به “مبدئيا”، فمجرد طرح القضية على هذا الصعيد يجردها من كل محتوى، ولكن لأنه قول غير واقعي البتة، إنه ضرب من الطوباوية الثورية المدّعية، أسوأ أنواع الطوباوية.
لهذا السبب:
فإن تقسيم برنامجنا إلى برنامج الحد الأقصى وبرنامج الحد الأدنى له دلالة مبدئية ضخمة وعميقة خلال المرحلة التي يكون فيها الحكم في يد البرجوازية. لأن مجرد وجود البرجوازية في الحكم يحذف من برنامج الحد الأدنى جميع المطالب التي تتعارض مع الملكية الفردية لوسائل الإنتاج. هذه المطالب هي مضمون الثورة الاشتراكية وهي تفترض وجود دكتاتورية البروليتاريا.
ولكن حالما تنتقل السلطة إلى يد حكومة ثورية ذات أغلبية اشتراكية، فتقسيم برنامجنا إلى برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى يفقد كل معناه على الصعيد المبدئي وعلى صعيد العمل المباشر. فلا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تسجن حكومة البروليتاريا نفسها ضمن هذه الحدود الضيقة، فلنأخذ مطلب ثماني ساعات عمل في اليوم. إن هذا المطلب لا يتناقض، كما هو معلوم، مع العلاقات الرأسمالية، لذا فهو مدرج في برنامج الحد الأدنى الذي تعمل به الحركة الديمقراطية-الاجتماعية. ولكن، ماذا يحصل لو حاولنا تحقيق هذا المطلب خلال الثورة، في فترة من العواطف الطبقية العنيفة؟ لا شك في أن الرأسماليين سيتصدون له بمقاومة منظمة وصامدة قد تتخذ شكل المقاطعة أو إغلاق المصانع.
سيجد مئات الآلاف من العمال أنفسهم في الشارع. فماذا يتوجب على الحكومة أن تفعل؟ إذا كانت الحكومة برجوازية، ومهما بلغت راديكاليتها، فهي لن تسمح أبدا للأمور بأن تصل إلى هذا الحد لأنها ستجد نفسها مشلولة إذا ما واجهتها عملية إغلاق المصانع. فستضطر إلى التراجع، فلا يتحقق مطلب الثماني ساعات عمل في اليوم ويجري التنكيل بالعمال الذين يقاومون.
أما إذا كانت الحكومة تحت سيطرة البروليتاريا السياسية، فإن تنفيذ قانون الثماني ساعات عمل في اليوم يؤدي إلى نتائج جد مختلفة. بالنسبة لحكومة تسعى إلى الإعتماد على البروليتاريا وليس على رأس المال، كما تفعل الليبرالية، والتي لا تسعى إلى لعب دور الوسيط “الحيادي”، الذي تلعبه الديمقراطية البرجوازية، بالنسبة لحكومة كهذه لن يكون إغلاق المصانع بالطبع مبررا لزيادة ساعات العمل في اليوم. هناك طريق وحيد تسلكه الحكومة العمالية وهو أن تصادر المصانع المغلقة وتنظيم العمل فيها على أساس اشتراكي.
وطبعا يمكن الرد على ما ورد بهذا الشكل: فلنفترض أن الحكومة العمالية، الوافية لبرنامجها، قد أصدرت قانونا يحدد ساعات العمل بثماني ساعات في اليوم الواحد، فإذا قاوم رأس المال هذا الإجراء مقاومة لا يمكن التغلب عليها بما يحويه البرنامج الديمقراطي المبني على الاحتفاظ بالملكية الفردية، إذن فعلى الديمقراطيين-الاجتماعيين أن يستقيلوا وأن يتوجهوا إلى البروليتاريا. إن حلاّ كهذا هو حل فقط بالنسبة للمجموعة المشتركة بالحكم، ولكنه لن يكون حلاّ بالنسبة للبروليتاريا وبالنسبة لمستقبل الثورة. فبعد أن يستقيل الديمقراطيون-الاجتماعيون، يعود الوضع إلى ما كان عليه يوم اضطروا على استلام الحكم. إن الهرب عن مواجهة مقاومة رأس المال المنظمة لهو خيانة أعظم للثورة من فرض استلام الحكم في المقام الأول. الأفضل لحزب الطبقة العاملة إلا يشترك بالحكم مطلقا على أن يشترك فيه ليستعرض ضعفه ومن ثم يستقيل.
لنأخذ مثلا آخر. لا يسع البروليتاريا إلا أن تتبنى إجراءات حاسمة لحل قضية البطالة لأنه من البديهي أن ممثلي العمال في الحكومة لن يستطيعوا الإجابة على مطالب العمال العاطلين عن العمل بالتحجج بطابع الثورة البرجوازي.
ولكن إذا أخذت الحكومة على نفسها أن تساعد العاطلين عن العمل، ليس المهم بهذا الصدد تحديد شكل هذه المساعدة، فإن هذا يعني أن تنتقل السلطة بسرعة وبشكل فعلي إلى جانب البروليتاريا. وهكذا، فالرأسماليون الذين يعتمدون دوما في استغلالهم للعمال على وجود جيش احتياطي من العمال، سيجدون أنفسهم بدون قوة اقتصادية ومحكومين على تحمل العقم السياسي في آن واحد.
عندما تأخذ الحكومة على عاتقها مساعدة العاطلين عن العمل، فإنها تتعهد في الوقت نفسه بمساندة المضربين. فإذا هي لم تفعل ذلك فقد نسفت مبرر وجودها من الأساس.
فلا يبقى للرأسماليين سوى أن يلجأوا إلى المقاطعة، أي إلى إغلاق المصانع. ومن البديهي أن أرباب العمل يستطيعون تحمل تبعات توقف الإنتاج أكثر مما يستطيعه العمال، لذا كان هنالك جوابا وحيد ترد به الحكومة العمالية على المقاطعة العامة ألا وهو أن تصادر المصانع وأن تدخل إلى الكبير منها طرق الإنتاج المشاعية أو الحكومية.
وتنشأ مشاكل مشابهة بمجرد أن تجري مصادرة الأراضي، ولا يجب أن نفترض، بأي حال من الأحوال، أنه على الحكومة البروليتارية، بعد مصادرتها للممتلكات الفردية، أن تفتتها وتبيعها للمنتجين الصغار ليستثمروها. إن الطريق الوحيد أمام الحكومة هي أن تنظم الإنتاج التعاوني بإشراف “العامية” أو أن يجري تنظيم الإنتاج من قبل الدولة مباشرة. ولكن هذه الطريق هي الطريق إلى الاشتراكية.
إن جميع ما ورد يؤكد بما لا يسمح الشك أنه لا يمكن للديمقراطيين-الاجتماعيين أن يشتركوا في حكومة ثورية معتهدين سلفا للعمال بالاّ يتنازلوا عن برنامج الحد الأدنى وواعدين البرجوازية في الوقت نفسه بألاّ يتخطوا هذا البرنامج. إن مثل هذا التعهد المزدوج لا يمكن تحقيقه. إن مجرد اشتراك ممثلي البروليتاريا في الحكم ليس كاسراء حرب لا حول لهم ولا قوة، ولكن كقوة قيادية، يهدم الحد الفاصل بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى، إي أنه يضع قضية التجمع في حيّز التنفيذ. وإن الحد الذي يتوقف عنده تقدم البروليتاريا في هذا الإتجاه يتوقف على العلاقة بين القوى، وليس على نوايا حزب البروليتاريا الأصيلة.
لهذا السبب، ليس هنالك أي معنى للحديث عن شكل خاص من أشكال ديكتاتورية البروليتاريا في الثورة البرجوازية، أو عن دكتاتورية بروليتارية ديمقراطية (أو عن دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين). إن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تحتفظ بالطابع الديمقراطي لديكتاتوريتها إلا إذا تخطت حدود برنامجها الديمقراطي. وإن أية أوهام حول هذه النقطة لهي أوهام فاجعة، سوف تعرض الحركة الديمقراطية-الاجتماعية للإنهيار منذ البداية.
إن البروليتاريا بمجرد استيلائها على الحكم سوف تقاتل للاحتفاظ به إلى النهاية. وحيث يكون أحد أسلحتها في هذا القتال للاحتفاظ بالسلطة وتدعيمها هو التحريك والتنظيم في الريف بشكل خاص، يكون سلاحها الآخر هو انتهاج سياسة تجميعية. ولن يكون التجميع الطريق الحتمية الوحيدة إلى الأمام من الموقع الذي يجد الحزب الحاكم نفسه فيه فحسب، بل أداة الاحتفاظ بهذا الموقع بمساندة البروليتاريا أيضا.
عندما تبلورت فكرة الثورة المستمرة في الصحافة الاشتراكية، هذه الفكرة التي تربط بين تصفية الحكم المطلق وبين الثورة الاشتراكية إلى جانب تفاقم الصراعات الاجتماعية وتمرد قطاعات جماهيرية جديدة وشن البروليتاريا الهجمات المستمرة على الامتيازات الاقتصادية والسياسية للطبقات الحاكمة، عندما تبلورت هذه الفكرة أطلقت صحافتنا “التقدمية” صيحة استنكار واحدة. فصاحت: “أواه! لقد تحملنا كثيرا، ولكننا لن نتحمل المزيد. ليست الثورة طريقا يمكن جعلها شرعية”. فتطبيق الإجراءات الاستثنائية أمر مسموح في الظروف الاستثنائية فقط. وليس من نية حركة التحرر أن تجعل الثورة دائمة ولكن أن تقودها بأسرع وقت ممكن في طريق “القانون”، إلى آخره، إلى آخره.
إن أكثر العناصر جذرية في هذه الديمقراطية نفسها، لم يجازفوا بالوقوف ضد الثورة حتى من وجهة نظر “مكاسب” دستورية مؤمنة سلفا. فهذه البلاهة البرلمانية التي تسبق نشوء البرلمانية ذاتها لا تشكل سلاحا ماضيا في الصراع ضد الثورة البروليتارية. فنجدهم يختارون طريقا أخرى. إنهم يحددون موقفهم ليس على أساس القانون ولكن على ما يبدو لهم وكأنه أساس للوقائع، أي على أساس “الإمكان” التاريخي، وعلى أساس “الواقعية” السياسية، وأخيرا… أخيرا حتى على أساس “الماركسية” ذاتها. ولم لا؟ ألم يكن على حق ذلك البرجوازي الفينيسي أنطونيو إذ قال: “الشيطان قد يستشهد حتى بالإنجيل لخدمة أغراضه”؟.
إن هؤلاء الديمقراطيين الراديكاليين لا يرهبون فكرة الحكومة العمالية في روسيا فحسب، إنهم يتنكرون إمكان قيام ثورة اشتراكية في أوروبا في الحقبة التاريخية المقبلة أيضا. إنهم يقولون: “إن الشروط المسبقة للثورة لم تتوفر بعد”. هل هذا صحيح؟ ليست القضية بالطبع، قضية تحديد ساعة الصفر لقيام الثورة الاشتراكية، ولكن من الضروري الإشارة إلى توقعاتها التاريخية الحقيقية.